هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
في حي الملاسين الشعبي بالعاصمة التونسية، تعرّضت يقين، البالغة من العمر 15 عامًا، لاغتصاب جماعي في أواخر أيلول/سبتمبر، بعدما احتُجزت قسرًا، وسط احتمال تعرّضها للتخدير. ونُقلت الفتاة إلى المستشفى إثر تعرضها لصدمة شديدة، فيما أصبحت قضيتها محور تحقيق أسفر حتى الآن عن توقيف نحو 15 شخصًا.
وسرعان ما حظيت القضية باهتمام واسع على المستوى الوطني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ساهم وسم #JusticeForYakine في إطلاق موجة تضامن واسعة. وفي إطار حملات الفضح التي انتشرت على نطاق واسع، تداولت شابات وشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور المشتبه في ارتكابهم الجريمة، في محاولة لنقل وصمة العار التي تُلقى تقليديًا على الضحايا إلى المشتبه في ارتكابهم الجريمة.
وتقول لجين الخميري، وهي محامية تعمل في تونس العاصمة: “في قضايا كهذه، من المهم المرور بمرحلة الكشف عن القضية للرأي العام”، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن ردود الفعل العدائية التي قد تثيرها هذه الخطوة يمكن أن تصبح “مصدر صدمة نفسية للضحايا”.
محاكمة أخلاقية على وسائل التواصل الاجتماعي
في الواقع، سرعان ما تبيّن أن موجة التضامن عبر الإنترنت سلاح ذو حدّين. فإلى جانب رسائل الدعم، ظهرت حملة تلقي باللوم على الضحية. وانهمك مستخدمات ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في نبش حياة يقين الخاصة، وتفحّص صورها ومقاطع الفيديو الخاصة بها، بحثًا عمّا يمكن استخدامه لمحاكمتها أخلاقيًا. فقد كان مجرد وشم أو سيجارة، أو حتى طريقة لباسها، كافيًا في نظر البعض لتحميل الفتاة ووالدتها مسؤولية الجريمة.
وتوضح الخميري: “قد تُبدي وسائل التواصل الاجتماعي دعمًا كاملًا للضحية في البداية، لكنها تنقلب عليها في نهاية المطاف”. وتشير إلى أن تعريض حياتها الخاصة للانكشاف على نطاق واسع، والذي وصل إلى حد تسريب معلومات شخصية مثل عنوان سكنها، ستكون له تداعيات طويلة الأمد على مستقبل الفتاة، ولا سيما في ما يتعلق بفرص حصولها على عمل أو سكن.
وترى منية القاري، الخبيرة القانونية والناشطة والمديرة السابقة للمرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، أن ردود الفعل هذه تكشف أن “المجتمع لا يزال متأثرًا بعمق بثقافة الاغتصاب”. وتأسف لغياب آليات الإشراف والمساءلة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تطغى أصوات المناهضين لحقوق النساء على أصوات المدافعات والمدافعين عنها. وتقول: “الصور المتداولة لا تؤدي إلا إلى إلقاء اللوم على يقين ووالدتها، وليس على مرتكبي الجريمة أبدًا”.
“الصور المتداولة لا تؤدي إلا إلى إلقاء اللوم على يقين ووالدتها، وليس على مرتكبي الجريمة أبداً”
فخّ المطالبة بتشديد العقوبات
تلاحظ يسرى حدادة، وهي محامية تعمل في المنستير، من خلال ممارستها المهنية، أن هناك شكاوى لا تزال تُقدَّم ثم تُسحب لاحقًا “تحت ضغط أفراد الأسرة، بل وحتى عناصر الشرطة”. وتزيد التغطية الإعلامية لمثل هذه القضايا من الضغوط الواقعة على العائلات. تقول حدادة: “قد تؤثر في العائلات التي تسعى إلى حماية أطفالها وطفلاتها من المجتمع”.
وفي ظل هذه الممارسات المقلقة، تشدد حدادة على ضرورة أن يتجاهل القضاء “الضغوط الإعلامية، ويحترم حقّ الضحية في تقرير كيفية استخدام صورتها ونشرها، ويصون قرينة البراءة بالنسبة إلى المشتبه فيهم من القاصرين”. وقد تقدّمت إحدى الأمهات بالفعل بشكوى رسمية بعد تداول صورة ابنها ضمن صور الأشخاص الذين جرى التعريف بهم على أنهم مشتبه فيهم.
أثارت القضية موجة من الغضب والاستنكار في المجتمع التونسي، وسرعان ما تحوّل هذا الغضب إلى نقاشات حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام. لكنّ خبيرات وخبراء القانون يرون أن المطالبة بتشديد العقوبات تمثّل فخًا يصرف الانتباه عن المشكلات الجذرية المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي. وتؤكد الخميري: “عقوبة الإعدام ليست سوى الجانب القانوني السطحي من المشكلة. فليس القانون هو ما يحتاج إلى “العلاج”، بل “العقليات”.
من جانبها، تذكّر القاري بأن الناشطات النسويات أنفسهنّ هنّ من ناضلن من أجل استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد عام 2017، خلال صياغة القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة. وتقول: “ليس تشديد العقوبات هو ما يكافح الإفلات من العقاب. ما نحتاج إليه هو الوقاية، والكثير من التثقيف الجنسي”.
غياب النقاش حول الاعتداء الجنسي باستخدام المواد المخدّرة
تتضمن قضية يقين أيضًا ادعاءات تتعلق بالاتجار بالمخدرات، ما يسلّط الضوء على تعاطي المخدرات بين من هم دون سن الرشد، وهي ظاهرة “منتشرة على نطاق واسع جداً في المدارس”، بحسب حدادة.
وتوضح الخميري أن هذه المشكلة لا تنبع من وسائل التواصل الاجتماعي، “فهي ليست سوى نافذة على المجتمع”. وتنتقد الميل السائد على الإنترنت إلى اختزال الضحية في كونها تتعاطى المخدرات، قائلة: “إنها فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا وتتعاطى المخدرات، وهذا يجعلها، مرة أخرى، ضحية لا مجرمة”.
وتشير منية القاري، التي تعمل مع “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات” و”أصوات نساء”، إلى ارتفاع عدد ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي اللواتي يلجأن إلى المراكز المتخصصة طلبًا للمساعدة. ومن بين هذه المراكز مركز إنجاد في مستشفى شارل نيكول، المتخصص في دعم ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي، ومركز العلاج النهاري لإعادة التأهيل من الإدمان في مستشفى الرازي للأمراض النفسية الذي يستقبل النساء المتأثرات بتعاطي المخدرات، سواء كان ذلك بإرادتهن أو رغمًا عنهن.
وتأسف القاري لغياب قضية الاعتداء الجنسي باستخدام المواد المخدّرة تمامًا عن النقاش العام، “الاعتداء الجنسي باستخدام المواد المخدّرة، الذي يحوّل جسد المرأة إلى سلعة أو غنيمة يدّعي المعتدي امتلاكها”. وتضيف أن ما يجري تجاهله أيضًا هو “ذلك الشعور بالسلطة المطلقة الذي ينشأ عن إخضاع جسد طفلة عاجزة عن الدفاع عن نفسها والاستحواذ عليه”.
ومن خلال حصر استجابة الدولة في القمع وحده، تواصل التهرّب من مسؤولياتها الأساسية: التعليم، والوقاية، وتمويل المرافق التي تقدّم الدعم للناجيات من العنف
بين القمع والمقاومة
ردًّا على هذه المأساة التي كُشفت تفاصيلها للرأي العام، أعلنت الدولة التونسية عن إجراءات لمراقبة وجود القاصرين والقاصرات في الحانات والمقاهي. وبعد ذلك بوقت قصير، وتحديدًا يوم الاثنين 12 تشرين الأول/أكتوبر، نُشر تقرير تباهت فيه الإدارة العامة للحرس الوطني عن توقيف 1,515 شخصًا خلال حملة لمكافحة المخدرات نُفّذت في أيلول/سبتمبر.
لكنّ الدولة، من خلال حصر استجابتها في القمع وحده، تواصل التهرّب من مسؤولياتها الأساسية: التعليم، والوقاية، وتمويل المرافق التي تقدّم الدعم للناجيات من العنف.
ورغم التجاوزات التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي وردود فعل المؤسسات الرسمية على حد سواء، تظلّ الفضاءات الرقمية أدوات للتمكين والمقاومة. وكما تؤكد حدادة في ختام حديثها، فإن “وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا بالغ الأهمية” في توعية الناس بحقوقهم وبالإجراءات القانونية.
وتضيف: “شابات وشباب الجيل زد (Gen Z) يناضلون اليوم من أجل حقوقهم/ن وحرياتهم/ن. ولم يعودوا/ن يشعرون/ن بالعار لأنهم تعرّضوا/ن للاعتداء. وهذا ما يجعل مستقبل تونس واعدًا إلى هذا الحد”.







