في حزيران/يونيو 2026، تصدّر الاقتباس الشهير للكاتبة والناشطة النسوية الأميركية أودري لورد: “لن تكون أي امرأة حرة، ما دامت هناك امرأة واحدة غير حرة”، منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “تيك توك”، حيث انتشرت على نطاق واسع مقاطع مصورة حصدت ملايين المشاهدات والتفاعلات.
وركزت هذه المقاطع على أوضاع النساء في أفغانستان، وحملت رسائل تضامن معهن، كما شاركت نساء من مختلف أنحاء العالم فيديوهات لنساء أفغانيات يروين تفاصيل حياتهن اليومية في ظل حكم طالبان، ووجّهن دعوات لعدم نسيان معاناتهن.
وشاركت شابة سويسرية تُدعى ألينا فوغل قبل أيام، في مظاهرة تضامنًا مع النساء الأفغانيات، مرتديةً برقعًا أزرق، قبل أن تخلعه لتكشف عن عبارات كُتبت على جسدها، من بينها: “حرروا النساء الأفغانيات”.
وتحولت الحملة الرقمية إلى نموذج استثنائي للتضامن النسوي العابر للحدود، مع نشر آلاف المقاطع التي حققت ملايين المشاهدات وأسهمت في إعادة تسليط الضوء على ما يجري داخل البلاد.
“إن الأخوة النسوية العالمية تتجاوز كونها مجرد شعار مستهلك، لتصبح التزامًا حقيقيًا ومشتركًا بين النساء وحلفائهن عبر الحدود للوقوف معًا ضد الظلم”
قمع، احتجاجات ثم تضامن
اندلعت الاحتجاجات في ولاية هرات الأفغانية يومي 6 و7 حزيران/يونيو 2026، بعدما شنت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حملة اعتقالات طالت ما لا يقل عن 30 امرأة وفتاة بتهمة مخالفة قواعد اللباس ووضع العطور. وأثار ذلك موجة غضب دفعت متظاهرين ومتظاهرات إلى التوجه نحو أحد المباني الحكومية، مرددين شعار: “امرأة، حياة، حرية”. ردت عليها طالبان بحملة قمع أدت إلى مقتل شخصين بينهما صبي بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.
ولا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن واقع النساء في أفغانستان، فمنذ عودة طالبان إلى الحكم في آب/أغسطس 2021، فرضت الحركة قيودًا متصاعدة على التعليم والعمل والتنقل واللباس.
وتُوِّج هذا النهج بإصدار المرسوم رقم 18، الذي اعتبرت منظمة العفو الدولية أنه يكرّس زواج الأطفال ويمنح شرعية للزيجات القسرية.
وحذرت صوفيا بولصنام، منسقة الحملات في منظمة العفو الدولية بفرع الجزائر، من أبعاد هذا التحول التشريعي، وقالت لـ”ميدفيمنسوية”: “لا يمكن عزل هذا القانون عن الهجوم الممنهج لحرمان النساء من حقوقهن الأساسية، فاعتبار الصمت موافقةً يجرّد الفتاة تمامًا من الإرادة الحرة ويكرّس انعدام قيمتها القانونية، ما يرفع معدلات زيجات الطفلات القسرية ومخاطر استغلالهن”.
“هذا التضامن الدولي يملك القدرة الفعالة على إعلاء أصوات النساء اللواتي يعشن تحت وطأة الأنظمة القمعية ويواجهن خطر الموت أو التهديد المباشر إذا تحدثن بحرية”
النساء يتضامنَّ عالميًا
وأمام هذا الواقع، لجأت النساء الأفغانيات إلى توثيق معاناتهن عبر مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، لتطلق شهاداتهن موجة تضامن عالمية أبرزت دور الأخوة النسوية العابرة للحدود في مقاومة القمع وكسر العزلة المفروضة عليهن.
تقول الناشطة النسوية والحقوقية الإندونيسية فريدا أماليا بوتري، مساعدة الباحث في جامعة أمستردام ومحررة مساعدة في مجلة Studia Islamika، في لقاء مع “ميدفمنسوية”: “إن الأخوة النسوية العالمية تتجاوز كونها مجرد شعار مستهلك، لتصبح التزامًا حقيقيًا ومشتركًا بين النساء وحلفائهن للوقوف معًا ضد الظلم”. وتتابع: “حقوق النساء هي حقوق إنسان عالمية لا تقبل التجزئة بغض النظر عن الجنسية أو الدين أو الثقافة”.
وهنا، قد يتذكر كثيرون/ات شعار “امرأة، حياة، حرية” من الاحتجاجات الإيرانية التي أعقبت مقتل مهسا أميني، عام 2022، بعد ضربها من قبل شرطة الأخلاق التابعة للحكومة. إلا أن الشعار أقدم من ذلك، إذ تعود جذوره إلى أكثر من أربعة عقود من نضال الحركة النسوية الكردية في تركيا (باكور) وشمال شرق سوريا (روج آفا)*، قبل أن يتحول إلى رمز عالمي لمقاومة اضطهاد النساء والدفاع عن حريتهن وفقًا لتوثيق تاريخي نشرته شبكة “نسويات من أجل جينا”.
وخلال العقد الأخير، بات هذا الشعار رمزًا عابرًا للحدود، يجمع النساء من بلاد وخلفيات وثقافات مختلفة. وترى فريدا أماليا، وهي كذلك عضوة مجلس إدارة في منظمة العفو الدولية – إندونيسيا، أن “هذا التضامن الدولي يملك القدرة الفعالة على إعلاء أصوات النساء اللواتي يعشن تحت وطأة الأنظمة القمعية ويواجهن خطر الموت أو التهديد المباشر إذا تحدثن بحرية، لذلك فإن التضامن الخارجي يضمن عدم إسكات قصصهن، وإرسال رسالة واضحة للأفغانيات بأنهن لسن معزولات في معركتهن من أجل الحرية والكرامة”.
يذكر أن الشعار ارتبط كذلك ميدانيًا بمحطات دموية وأخرى نضالية حاسمة. في كانون الثاني/يناير 2013، تحول الشعار إلى رمز للاحتجاج الأوروبي والعالمي عقب اغتيال الناشطة السياسية والمؤسسة المشاركة في حزب العمال الكردستاني، ساكينة جانسيز إلى جانب الناشطتين فيدان دوغان وليلى شايلمز في قلب العاصمة الفرنسية باريس. لاحقًا، في عام 2015، اتخذ الشعار بعدًا عسكريًا وميدانيًا عندما رفعته مقاتلات “وحدات حماية المرأة” (YPJ) في معارك تحرير مدينة كوباني السورية من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” حتى وصل في النهاية ليكون شعارًا داعمًا للنساء في أفغانستان، ويتحول إلى لغة تضامن عالمية تكسر عزلة النساء تحت الأنظمة القمعية حول العالم.




