جاء تصريحه في أعقاب النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب التي جرت في 5 تشرين الأول/ أكتوبر، والتي كشفت عن واقع صادم: ست نساء فقط من أصل 119 مقعدًا، أي ما نسبته 5.04% لا غير. قد يبدو تصريح الرئيس الشرع "خايف يقولوا عني نسونجي" عابرًا، أو حتى طريفًا للبعض، لكنه في الحقيقة يكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد أرقام: سوء فهم جوهري لمعنى العدالة الجندرية، ومحاولة استخدام السخرية كدرعٍ أمام مجتمعٍ ذكوري لم يصوّت للنساء، بل وصفّق لدعابة الرئيس الشرع وكأنه غير معني أصلًا بما قاله الرجل.
هذه المادة محاولة لطرح السؤال الحقيقي: لماذا تحتاج سوريا فعليًا إلى مزيد من النساء في برلمانها؟ ولماذا ليست الكوتا النسائية "حصصًا تكميلية"، بل ضرورة ديمقراطية وحقًا دستوريًا يضمن تمثيل نصف المجتمع داخل المؤسسة التشريعية؟
لماذا وُجدت الكوتا أصلاً؟
لم تُخلق الكوتا كمنحة مجانية تُقدَّم للنساء، ولا كزينة ديمقراطية تُوضع في الهياكل السياسية. جاءت الكوتا لأن "الحياد" الذي تغنّى به كثيرون لم يكن يومًا حيادًا حقيقيًا.
على مدى عقود، كان الخطاب السائد يقول: "الباب مفتوح للجميع". لكن الباب كان مفتوحًا نظريًا فقط، بينما الممر المؤدي إليه مليء بالعقبات التاريخية التي وُضعت في طريق النساء، لا الرجال. عندها أدركت الدول أن انتظار "التغيير الطبيعي" يعني ببساطة إبقاء النساء خارج السياسة لأجيال أخرى. وهكذا صار واضحًا أن صاحب القرار السياسي هو وحده القادر على كسر الحلقة وإحداث التغيير البنيوي المطلوب.
شبكات النفوذ، التمويل السياسي، العمل الحزبي، الأدوار الاجتماعية التقليدية، الصور النمطية، العنف السياسي… جميعها منظومات صنعت واقعًا يستفيد منه الرجال تلقائيًا؛ ليس لأنهم الأفضل، بل لأنهم كانوا "هناك أولًا" حين تشكّلت قواعد اللعبة.
من هنا جاءت الكوتا كأداة إصلاحية، كتدخّل مؤقّت لتصحيح مسار تاريخي مختل ليس كاستثناء، ولا كمحاباة، ولا كـ"حصة إضافية" تُضاف في اللحظة الأخيرة. الكوتا، ببساطة، هي إعادة ميزان العدالة إلى نقطة الصفر، كي تبدأ المنافسة الحقيقية من أرضية متكافئة.
جاءت الكوتا لأن "الحياد" الذي تغنّى به كثيرون لم يكن يومًا حيادًا حقيقيًا
عندما يصبح تمثيل النساء طبيعيًا وتزول العوائق البنيوية، لن تعود الكوتا ضرورية، فكل إجراء تصحيحي ينتهي حين يُصلح الخلل.
بالعودة لما حصل في الانتخابات، لماذا تحتاج سوريا إلى نساء في البرلمان؟
في كل مرة يُطرح فيها سؤال تمثيل النساء في البرلمان، يعلو الصوت التقليدي ذاته: "المهم الكفاءة، لا الجنس." جملة تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها تخفي وراء بساطتها تجاهلاً لطبيعة السياسة نفسها. فالسياسة ليست معادلة حسابية محايدة، بل منظومة تتشكل بتجارب من يشاركون/ن فيها، ومن يغيبون/ن عنها أيضاً.
غياب النساء عن البرلمان لا يعني استبعاد نصف المجتمع من القرار فحسب، بل غياب نصف التجربة الإنسانية عن طاولة تُصاغ عليها حياة الجميع.
وجود النساء في البرلمان ليس "ديكورًا"، ولا منّة تُمنح لهن، بل ضرورة موضوعية لتحسين جودة التشريع، وتوسيع زاوية النظر، وإدخال صوت لم يُمنح المساحة الكافية عبر عقود.
حين تدخل امرأةٌ البرلمان، فإنها لا تدخل وحدها. تدخل معها خبرات الأمومة والعمل والتمييز، وتجارب التفاوض اليومية بين الحياة المهنية والاجتماعية، ومواجهة العنف، ورعاية الأطفال، وتحمل أعباء الرعاية التي يتحمّلها المجتمع بأكمله بينما تُسجَّل على النساء وحدهن.
وجود النساء في البرلمان ليس "ديكورًا"، ولا منّة تُمنح لهن، بل ضرورة موضوعية لتحسين جودة التشريع، وتوسيع زاوية النظر
وتُظهر الأبحاث الدولية أن النساء في البرلمانات يمِلن إلى إعطاء الأولوية لقضايا التعليم، والصحة، والطفولة، والأمومة، والحماية الاجتماعية، والعنف الأسري. وهذه ليست "قضايا نسائية" كما يحلو للبعض وصفها، بل قضايا مجتمعية تمسّ بنية الدولة نفسها، وتنعكس مباشرة على جودة الحياة للجميع.
حين يناقش البرلمان قانون الإجازة الوالدية، فمن الطبيعي أن تكون بين صانعيه امرأة عاشت الحمل والولادة والرضاعة، لا رجال سمعوا عنها من بعيد. فالتشريع يصبح أدقّ وأقرب إلى الواقع حين يستند إلى معرفة معيشة لا إلى افتراضات نظرية.
وجود النساء يحسّن جودة التشريع… ويقلّل الفساد أيضاً
الأمر لا يتعلق بالفضائل الفردية، فالنساء لسن "أفضل أخلاقيًا" بطبيعتهن، ولا الرجال "أسوأ". المسألة أعمق من ذلك بكثير.
تُظهر دراسات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن البرلمانات التي تضم نسبًا أعلى من النساء تُنتج تشريعات أكثر شمولًا، وتعتمد آليات عمل أقل صراعًا وأكثر تشاركية، كما تنخفض فيها معدلات الفساد وترتفع مستويات الشفافية.
يحدث ذلك لأن المرأة التي تصل إلى البرلمان في عالم مليء بالعوائق تكون في العادة أكثر كفاءة وصلابة وإصرارًا، ولأن شبكات الفساد التقليدية هي شبكات ذكورية قديمة بطبيعتها تستبعد النساء، ولأن النساء، حين يصلن إلى مواقع السلطة، يشعرن بأن عليهنّ إثبات الجدارة بصورة مضاعفة، فيعملن بجدية أعلى وانحياز أكبر للصالح العام.
النساء يصنعن سقفاً أعلى للطموح
عندما تكبر فتاة في بلد لا ترى فيه سوى رجال في البرلمان والوزارة والقيادة، فإنها تتعلم تدريجيًا، دون أن تدرك، أن السياسة ليست لها، وأن الطموح السياسي مساحة مغلقة لا يُفتح بابها للنساء. يسمي علماء الاجتماع هذا الحاجز الزجاجي: حاجز لا يُرى، لكنه حاضر بقوة ويحدد مسارات الحياة.
وجود النساء في السلطة التشريعية لا يغيّر فقط صورة البرلمان، بل يعيد تشكيل صورة الحياة السياسية في وعي الجيل القادم. الفتاة التي ترى امرأة في موقع القرار، ترى احتمالًا لنفسها. والمرأة التي ترى امرأة تخطب في البرلمان، تشعر بأن صوتها ممكن ومشروع.
هنا تتحوّل الكوتا من آلية للتمثيل إلى أداة لإعادة تشكيل الطموح الوطني.
سوريا ليست معزولة عن العالم… والكوتا ليست رفاهية
من المهم التذكير بأن سوريا، كغيرها من الدول، وقّعت على التزامات واضحة وصريحة مثل اتفاقية سيداو (CEDAW) التي تلزم الدولة بالقضاء على جميع أشكال التمييز السياسي ضد النساء، وخطة بكين التي توصي بتمثيل نسائي لا يقل عن 30%، وأهداف التنمية المستدامة 2030 التي تُدرج مشاركة النساء في مواقع صنع القرار ضمن مؤشرات التقدّم التنموي.
حتى الحكومة السورية الانتقالية نفسها كانت قد التزمت سابقًا بنسبة 20% من النساء في البرلمان، " ، لكنها اليوم لا تمتلك سوى 5.04% "كيف يمكن لسوريا أن تبني ديمقراطية حقيقية، واقتصادًا مستقرًا وهذا ليس مجرد إخفاق رقمي، بل إخفاق سياسي وأخلاقي ودولي.
صحيح أن الرئيس الشرع نسب الأمر إلى مجتمعٍ ذكوري لم يصوّت للنساء، لكن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تُطرح ليست: "هل سيمتلئ البرلمان بالنساء؟" بل السؤال الأصح هو: "كيف يمكن لسوريا أن تبني ديمقراطية حقيقية، واقتصادًا مستقرًا، ومجتمعًا شاملًا دون مشاركة نصف مواطنيها؟"
إلى النساء السوريات اللواتي شاهدن هذه النتائج بخيبة أمل: لستن وحدكن. هذا ليس فشلكن، بل فشل منظومة كاملة
تجربة الانتخابات الأخيرة، وتعيين النساء في مراكز استشارية فقط، وغيابهن عن الإدارات الأساسية بما فيها وزارة الإعلام تشير إلى إجابة واضحة: لا يمكن.
رسالة أخيرة
السيد الرئيس الشرع، حين قلتَ: "خايف يقولوا عني نسونجي"، ربما كنت تعبّر عن واقع ثقافي لا يمكن إنكاره. لكن الحقيقة أن هذا الواقع بالذات هو ما ينبغي تغييره، لا التعايش معه.
أنت اليوم أمام خيار تاريخي: إمّا أن تبني سوريا جديدة تستثمر في طاقات نصف مجتمعها، أو تعيد إنتاج أخطاء الماضي وتترك النساء في الهامش ثم تتفاجأ حين تتأخر التنمية، ويتواصل الفساد، ويبقى البرلمان منفصلًا عن حياة الناس.
وإلى المجتمع الذي "لم يصوّت للنساء" كما قلتَ، هل منح النساء فعلًا فرصة عادلة؟ هل دعم المرشحات ماليًا ومعنويًا كما دعم المرشحين؟ هل تجاوز الصور النمطية التي تهمس بأن "السياسة للرجال والبيت للنساء"؟ أم أنّه أعاد إنتاج التمييز ذاته، ثم ألقى باللوم على النساء لأنهن "لم يفزن"؟
إلى الأحزاب السياسية: كم امرأة رشّحتم فعلًا؟ وفي أي مواقع وضعتموهن على القوائم؟ هل كانت النساء في المراكز الفائزة، أم في ذيل القوائم كـ"ديكور انتخابي"؟ المسؤولية الأولى عن هذا الفشل تقع على عاتقكم، قبل أي جهة أخرى.
وإلى النساء السوريات اللواتي شاهدن هذه النتائج بخيبة أمل: لستن وحدكن. هذا ليس فشلكن، بل فشل منظومة كاملة. وهذه اللحظة تحديدًا يجب أن تكون دافعًا للمطالبة بتغيير حقيقي لا انتظار "الدور" الذي لن يأتي من تلقاء نفسه.
الكوتا ليست "حلًا سحريًا"، لكنها البداية الضرورية. وليست عارًا يُخشى منه، بل التزامًا دستوريًا ودوليًا وأخلاقيًا بأن يعكس البرلمان، حقًا/ مَن يدّعي تمثيلهم./ن
السؤال ليس: "هل سيُقال عنك نَسونجي إذا دعمت الكوتا؟"السؤال الحقيقي هو: أي سوريا نريد؟ الخيار لك… والتاريخ يراقب.




























