لا حديث في المغرب هذه الأيام سوى عن الاستحقاقات التشريعية، التي تفصلنا عنها أيام قليلة، ويتنافس فيها 27 حزبا للظفر بـ395 مقعدا برلمانيا. الحملة الانتخابية بلغت ذروتها، والأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها ومرجعياتها، تسابق الزمن لاستقطاب أصوات أزيد من 15.8 مليون ناخب وناخبة، تشكل النساء 46 في المائة منهم/ن.
وبما أن النساء يشكلن نحو نصف الكتلة الناخبة، ارتأينا في منصة «ميدفمنسوية» أن نبحث في البرامج الانتخابية لسبعة أحزاب كبرى في الساحة السياسية المغربية، ونحلل ما حملته من مقترحات موجهة إلى النساء وقضاياهن. فما المكانة التي خصصتها النخب السياسية للنساء في برامجها؟ وهل تجاوزت الوعود والشعارات الفضفاضة إلى إجراءات واضحة وقابلة للتنفيذ؟ وهل تستجيب فعلا لحجم وانتظارات النساء؟
وهذه الأحزاب السبعة هي الاستقلال، والأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية، وتحالف اليسار
للوهلة الأولى، تبدو مضامين البرامج الانتخابية هذه المرة غير مختلفة بشكل كبير عن تلك التي حملتها الأحزاب على مدى سنوات من الاستحقاقات. فالعناوين الكبرى ما تزال تكرر نفسها: التشغيل والتمكين الاقتصادي للنساء، محاربة العنف ضدهن، دعم النساء في وضعية هشاشة، ثم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي. غير أن بعض الأحزاب انتقلت هذه المرة من الخطاب العام إلى أهداف رقمية أو إجراءات أكثر تحديدا.
فهل يعكس هذا الانتقال تغيرا فعليا في طريقة تعاطي الأحزاب مع قضايا النساء، أم أن الأمر لا يتجاوز أن يكون إعادة تدوير لوعود انتخابية سابقة؟
السؤال يكتسب أهميته في سياق ما تزال فيه النساء يواجهن تحديات كبيرة في سوق الشغل. فنحو 80 في المائة من النساء في سن النشاط الاقتصادي ما زلن خارج سوق الشغل، فيما بلغ معدل البطالة في صفوف النساء 14.8 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة الحالية، وتتجاوز النسبة 30 في المائة لدى حاملات الشهادات العليا.
كما يظل العنف ضد النساء بأنواعه، من أبرز الإشكالات المطروحة، إذ تجاوز عدد الشكايات المسجلة لدى النيابة العامة بشأنه 79 ألف شكاية خلال سنة 2025، بارتفاع يقارب 7.4 في المائة مقارنة بالسنة التي تسبقها. وتستمر أيضا الفوارق المجالية بين النساء في الوسطين الحضري والقروي، إلى جانب محدودية أشكال الدعم والمواكبة الموجهة إلى النساء في وضعية هشاشة.
بماذا وعدت الأحزاب النساء؟
يصعب اختزال المشهد الحزبي في المغرب في ثنائية اليمين واليسار، فالتعدد في المرجعيات والتوجهات يجعل الأمر أكثر تعقيدا.
ورغم اختلاف التيارات والتلوينات السياسية، الا ان الاحزاب اجتمعت في هذه الانتخابات على مسألة رفع النشاط الاقتصادي للنساء، حيث طرحت بعضها إجراءات ملموسة لتجاوز العوائق التي تحول دون ولوج النساء إلى سوق الشغل والاستمرار فيه، إلى جانب وعود بتحسين أوضاع الأرامل والحفاظ على حقوقهن الاجتماعية.
واتفقت الأحزاب السبعة على أن النساء يتعرضن أكثر للظلم فيما يخص الاستفادة من المعاشات سواء في القطاع العام أو الخاص، لذا تضمنت برامجها وعودا برفع معاش الأرامل إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى، عوض نسبة 50 في المائة المعمول بها حاليا.
أما على مستوى التمكين الاقتصادي، فقد التزمت أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتحالف اليسار، والتقدم والاشتراكية برفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء سواء كنّ في المجال الحضري أو القروي، مع تحديد نسب وأهداف رقمية في برامجها، إلى جانب إجراءات تستهدف إزالة الحواجز التي تحول دون ولوج المرأة إلى سوق العمل أو الاستمرار فيه.
وتتقاطع هذه الأحزاب، كل من منظورها، حول عدد من الآليات لدعم ريادة الأعمال النسائية وتسهيل الولوج إلى سوق الشغل، من بينها دعم العمل عن بعد، والتشغيل الذاتي، وتطوير اقتصاد الرعاية، إلى جانب إحداث دور حضانة عمومية مجانية للأطفال، على اعتبار أن أعباء الرعاية المنزلية من بين العوامل التي تحد من مشاركة النساء في سوق العمل.
وتعهد حزب الاستقلال، الذي يشارك في الحكومة الحالية، بإقرار عطلة رعاية مرنة ومدفوعة الأجر للأمهات العاملات خلال الفترة الأولى من حياة أبنائهن، مع إمكانية الاستفادة منها بشكل مرن بين الوالدين، بما يعزز تقاسم مسؤوليات الرعاية داخل الاسرة.
من جهة أخرى، وعد ذات الحزب بإطلاق برنامج وطني لمحاربة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، يستهدف عددا من الفئات الهشة، من بينها النساء ضحايا العنف.
ويحضر العنف ضد النساء أيضا بشكل لافت في برنامج حزب العدالة والتنمية، الذي خصص للملف مجموعة من الإجراءات، وإن كان يتناول المرأة من منظور يرتكز أساسا على الأسرة والحماية الاجتماعية، أكثر من اعتماده على خطاب المساواة بين الجنسين. ومن بين هذه الالتزامات: تعزيز التكفل بالنساء ضحايا العنف، من خلال توسيع خدمات الاستماع والتوجيه والمساعدة القانونية والنفسية والصحية، إلى جانب وضع سياسة أسرية مندمجة تتضمن آليات للحد من العنف، وتعزيز التأهيل قبل الزواج والوساطة والإرشاد الأسري.
وبينما ركزت أحزاب أخرى على المرأة باعتبارها مستفيدة من السياسات العمومية، دعا تحالف اليسار إلى التعامل معها باعتبارها فاعلا سياسيا وشريكا في إنتاج القرار، مع تعزيز مشاركتها في الحياة السياسية وولوجها إلى مواقع المسؤولية، مقترحا تخصيص ثلث المقاعد البرلمانية للنساء، وضمان 40 في المائة من مناصب المسؤولية العمومية لهن، كما حضرت المساواة والمناصفة والحقوق المدنية بشكل صريح في تصوره العام.
أما حزب التقدم والاشتراكية فقد اقترح إصلاح القوانين الانتخابية بما يضمن تمثيلية نسائية فعلية في مختلف مستويات صنع القرار العمومي، وتعزيز القدرات القيادية للنساء المنتخبات والمرشحات، ومكافحة أشكال العنف السياسي الممارس في حقهن.
للوهلة الأولى، تبدو مضامين البرامج الانتخابية هذه المرة غير مختلفة بشكل كبير عن تلك التي حملتها الأحزاب على مدى سنوات من الاستحقاقات. فالعناوين الكبرى ما تزال تكرر نفسها: التشغيل والتمكين الاقتصادي للنساء، محاربة العنف ضدهن، دعم النساء في وضعية هشاشة، ثم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي. غير أن بعض الأحزاب انتقلت هذه المرة من الخطاب العام إلى أهداف رقمية أو إجراءات أكثر تحديدا.
أصوات الناخبات حاضرة في الحملات الانتخابية.. فماذا عن مطالبهن؟
“تفاعل متفاوت مع مطالب النساء” هكذا تصف بشرى عبدو رئيسة جمعية التحدي والمساواة برامج عدد من الأحزاب السياسية المغربية في سباقها الانتخابي نحو تشريعيات 2026، مشيرة في حديثها مع منصة “ميدفمنسوية” ان “الجمعية قامت بدورها وقدمت مذكرتين مطلبيتين لإحدى عشر حزبا، تعنى الأولى بقضايا النساء بشكل عام، فيما تركز الثانية على حماية النساء من العنف الرقمي، كما عقدت معهم عددا من اللقاءات المباشرة لمناقشة مضامينها بشكل مفصل”.
وترى عبدو أن هذا “التفاوت يطرح علامات استفهام كبيرة حول المكانة الفعلية التي تحظى بها قضايا النساء ضمن برامج والتزامات الأحزاب”، داعية إلى “تجاوز المقاربة التي تختزل حضور النساء في تنشيط الحملات والتجمعات الانتخابية واستمالة أصواتهن يوم الاقتراع، نحو بناء علاقة سياسية قوامها الاستجابة لقضايا النساء وتطلعاتهن وإدراجها ضمن الأولويات السياسية”.
وتتقاطع هذه الملاحظات مع مواقف عدد من التنظيمات النسائية، من بينها الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، التي تربط بين تعزيز حضور النساء في مواقع المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة وبين مشاركتهن الفعلية في صناعة القرار والتأثير في النقاش وتحديد الأولويات. حيث سجلت الجمعية استمرار عدد من الاختلالات على مستوى ترشيح النساء وتمكينهن السياسي والمواكبة الحزبية، بما يعكس استمرار الفجوة بين الجنسين في المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، توضح خديجة الرباح، المنسقة الوطنية للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، وهي هيئة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، أن “أغلب الأحزاب لم تعتمد مقاربة واضحة للنوع الاجتماعي، واكتفت بتناول قضايا النساء ضمن ملفات عامة كالحقوق الاقتصادية والتعليم والصحة، دون تقديم رؤية استراتيجية للمساواة ومواجهة التمييز”. معتبرة أن ذلك “لا يعكس حجم المطالب التي رفعتها الحركة النسوية خلال السنوات الماضية، ولا يجعل من المساواة إحدى ركائز التقدم والتنمية”.
“النساء يظهرن خلال الحملات أساسا ككتلة ناخبة، بينما لا يحظين بالحضور نفسه كفاعلات في صياغة البرامج وتحديد الأولويات السياسية ولا حتى في تصور الأحزاب.. للأسف لا زلنا غير مرئيات بالنسبة لهم”
وكانت الجمعية قد راسلت مختلف الأحزاب المشاركة، ودعت إلى إدماج المساواة بين النساء والرجال في صلب برامجها الانتخابية المقبلة، معتبرة أن “حقوق النساء ليست هامشا انتخابيا”، إلا أن معطيات وزارة الداخلية أظهرت استمرار محدودية حضور النساء على رأس اللوائح المحلية هذه السنة، إذ لا تقود المرشحات سوى 121 لائحة من أصل 1615 لائحة، أي ما يقارب 7.5 في المائة فقط، رغم مرور أكثر من عشرين عاما على اعتماد المغرب نظام “الكوتا” أو الحصص لتعزيز تمثيلية النساء داخل البرلمان، وهي الآلية التي عززها المشرع في انتخابات 2021 برفع عدد المقاعد المخصصة للنساء إلى 90 مقعدا، بما يمثل نحو 21 في المائة من مجموع مقاعد مجلس النواب.
وفي تعليق على هذه الأرقام، تؤكد الناشطة النسوية في حديثها معنا أن “الأحزاب التي تتغنى بالمناصفة لا تطبقها على أرض الواقع، فالممارسة تكشف استمرار محدودية حضور النساء في مواقع متقدمة داخل اللوائح وفي مراكز القرار”. وترى أن “النساء يظهرن خلال الحملات أساسا ككتلة ناخبة، بينما لا يحظين بالحضور نفسه كفاعلات في صياغة البرامج وتحديد الأولويات السياسية ولا حتى في تصور الأحزاب.. للأسف لا زلنا غير مرئيات بالنسبة لهم”.
وبشعار «صوتي ليك وتحقيق مطالبي عليك»، اختارت جمعية التحدي والمساواة النسوية، منذ انطلاق الحملة الانتخابية، مواجهة كل هذه الاختلالات ومخاطبة الأحزاب السياسية، مؤكدة أن من حق الناخبات اختيار الأحزاب التي تنسجم برامجها ومقترحاتها مع مطالبهن وانتظاراتهن، وأن حضور قضايا النساء ضمن البرامج الانتخابية يمكن أن يشكل أحد العناصر المؤثرة في اختياراتهن يوم الاقتراع.
وتكشف هذه الانتخابات التشريعية أن الطريق نحو المناصفة الفعلية ما يزال طويلا، وأن تجاوز الفجوة القائمة يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، وإرادة جادة من الأحزاب لجعل المناصفة ممارسة فعلية، لا مجرد مبدأ دستوري أو شعار انتخابي.







