كنت محتجزة مع أكثر من عشرين امرأة في غرفة صغيرة، وكانت إحداهن برفقة طفلتها الرضيعة. كنا نتعرض يوميًا للضرب والصعق بالكهرباء والحرق بالسجائر والضرب بالعصي. استخدم المحققون أبشع أساليب التعذيب لإجبارنا على الاعتراف بتهم لم نرتكبها”، عفراء الحسن، 29 عامًا، من مدينة إدلب والمعتقلة السابقة في فرع الخطيب في دمشق.
وتضيف الحسن: “كنا أحيانًا نتناسى آلامنا عندما نسمع صراخ الرجال تحت التعذيب “.
منذ اندلاعها عقب ثورة عام 2011، وحتى سقوط نظام الأسد عام 2024، لم تترك الحرب السورية آثارها على العمران والبنى التحتية فقط، بل حفرت عميقًا في أجساد النساء وأرواحهن، خصوصًا تلك اللواتي مررن بتجربة الاعتقال، أحد أكثر ملفات الحرب السورية قسوة وتعقيدًا.
نشرت نيويورك تايمز تحقيقاً عام 2025، روت فيه عدد من السوريات ما مررن به من تجارب قاسية داخل سجون الأسد، حيث استُخدم الاعتقال والتعذيب كوسيلة للضغط على المعارضين المسلحين، ليس فقط عبر احتجازهم، بل من خلال استهداف زوجاتهم وأطفالهم أيضًا.
وتعرضت المعتقلات لأشكال متعددة من التعذيب، شملت الضرب المبرح، الشبح لساعات طويلة، والحبس الانفرادي في زنازين ضيقة تفتقر لأبسط شروط الحياة الإنسانية. ولم يقتصر التعذيب على الجسد، بل امتد إلى النفس عبر الإهانات المتكررة، والتهديد، والحرمان من النوم والطعام، في محاولة لكسر الإرادة وتحويل المعتقلة إلى جسد خاضع بلا مقاومة.
وتجاوز عدد المعتقلين والمعتقلات والمختفين والمختفيات قسريًا في سوريا حتى آب/أغسطس 2025، 181 ألف شخص بينهم 9201 امرأة و5332 طفل وطفلة، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وتتحمل قوات النظام السوري السابق المسؤولية الكبرى والأوسع نطاقًا عن حالات الاختفاء القسري بمئات الآلاف، تليها فصائل المعارضة المسلحة، وهيئة تحرير الشام، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى جانب تنظيم “داعش”.
“كنت محتجزة مع أكثر من عشرين امرأة في غرفة صغيرة، وكانت إحداهن برفقة طفلتها الرضيعة”
آثار نفسية طويلة الأمد
حسنة (اسم مستعار) من مدينة حلب، أمضت سنتين ونصف السنة في الاعتقال. وعن تلك التجربة تقول: “تم احتجازي في سجن حلب المركزي بعد أن اتهمتني زميلة لي في الجامعة بالتواصل مع إرهابيين. هناك خضعت لاستجوابات قاسية وتعذيب نفسي وجسدي، وكان من أكثر ما عانيته أننا كنا نُجبر على التعري أثناء التحقيقات. كما تعرضت كثير من المعتقلات لاعتداءات جنسية متكررة استُخدمت وسيلةً لإذلالنا وكسر إرادتنا”.
وتضيف بحزن: “بعد الإفراج عني لم تنتهِ معاناتي، إذ واجهت صدمة نفسية عميقة، إلى جانب وصمة اجتماعية قاسية جعلت إعادة الاندماج في المجتمع صعبة للغاية، ما دفعني لاحقًا إلى خوض رحلة طويلة من العلاج النفسي”.
وتشير الديري إلى أنها قررت رواية قصتها سعيًا إلى العدالة، ورغبةً في كسر الصمت حول ما تعرضت له النساء داخل معتقلات النظام السوري، ودعمًا لمطالب المساءلة القانونية. كما تطالب بإنشاء مراكز متخصصة لدعم الناجيات، تركز على العلاج النفسي وإعادة التأهيل.
عفراء وحسنة ليستا سوى مثالين على آلاف السوريات اللواتي تعرضن للاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، وخرجن من السجون مثقلات بآثار نفسية عميقة خلّفتها سنوات الانتهاكات.
وفي هذا السياق، تؤكد مرام جوهر، المختصة في الإرشاد النفسي من مدينة حلب، أن اعتقال النساء جرى لأسباب متعددة، بعضها ارتبط بنشاطهن الإنساني أو الإعلامي، فيما كان بعضها الآخر نتيجة صلات قرابة بمطلوبين لدى النظام السابق. وتقول: “داخل الزنازين تحوّل الجسد الأنثوي إلى ساحة مفتوحة للتعذيب والإذلال، ونتيجة لذلك تعاني معظم الناجيات من اضطرابات نفسية حادة وأمراض مزمنة”.
وتوضح جوهر أن أبرز الاضطرابات التي رصدتها تشمل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن، ونوبات الهلع، مضيفة: “في بعض الحالات تطورت هذه الاضطرابات إلى حالات ذهانية نتيجة التعذيب المطوّل والعزلة القسرية والانتهاكات الجنسية”.
وتشير إلى أن نحو 40% من المعتقلات السابقات اللواتي التقت بهن يعانين من إعاقات دائمة أو اضطرابات نفسية مزمنة، تفاقمت بفعل الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون.
لم يكن التعذيب الجسدي والنفسي وحده ما واجهته المعتقلات، بل استخدم العنف الجنسي كأداة ممنهجة للإذلال والترهيب، شمل الاغتصاب، التحرش، التهديد بالاعتداء الجنسي، والإجبار على التعري. وهي ممارسات لا تنتهي آثارها بخروج الضحية من المعتقل، بل تبدأ معها مرحلة جديدة من المعاناة داخل المجتمع.
تصطدم الناجيات بجدار المجتمع الذي لا يراهن ضحايا بقدر ما يشكك فيهن، لأنه يختزل كرامة العائلة في أجساد النساء”
وعن أهمية العدالة الانتقالية، تقول حسنة الديري: “بالنسبة لي، لا تعني العدالة الانتقالية مجرد محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرضنا لها خلال فترة الاعتقال، بل تبدأ بالاعتراف بما حدث لنا. فكثير من الناجيات يحملن أوجاعهن لسنوات طويلة من دون أن يسمع أحد قصصهن أو يعترف بحجم الضرر الذي لحق بهن. وعندما تُوثَّق الحقيقة ويُعترف بمعاناتنا، نشعر بأن ما مررنا به لن يُهمَل، ولن يُطوى في النسيان.”
وتضيف: “أحتاج إلى العدالة الانتقالية لأنها تمنحني شعورًا بأن حقوقي لا تزال محل اهتمام، وأن ما تعرضت له ليس أمرًا عاديًا يمكن تجاوزه من دون محاسبة. كما أنها تساعدني على استعادة الثقة بالمؤسسات وبسيادة القانون.”
وتختتم: “الأهم أن العدالة الانتقالية تمنح الناجين والناجيات الأمل بأن الأجيال القادمة لن تضطر إلى عيش التجارب نفسها التي عشناها، وأن المجتمع قادر على التعافي وبناء مستقبل أكثر عدلًا وأمانًا للجميع.”
الوصمة الاجتماعية: السجن الثاني
شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 محطة مفصلية في تاريخ سوريا، منهيًا أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، ومرحلة امتدت خلالها الحرب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.
لكن وبعد الخروج من المعتقل، واجهت كثير من الناجيات سجنًا آخر يتمثل في الوصمة الاجتماعية، ولا سيما اللواتي تعرضن للعنف الجنسي. ففي مجتمعات محافظة، تتعرض بعضهن إلى النبذ أو التضييق داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي، نتيجة نظرة تربط “شرف العائلة” بجسد المرأة.
وتقول سلمى العويد، المرشدة الاجتماعية: “تصطدم الناجيات بجدار المجتمع الذي لا يراهن ضحايا بقدر ما يشكك فيهن، لأنه يختزل كرامة العائلة في أجساد النساء. وهكذا يتحول الألم إلى عزلة، والانتهاك إلى صمت مفروض”.
وتشير العويد إلى أن هذا التهميش يدفع كثيرات إلى العزلة والانقطاع عن التعليم أو العمل، والخوف من الإفصاح عن تجاربهن، ما يعمّق الجراح النفسية ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.
كما تضيف: “تحتاج الناجيات إلى دعم شامل يبدأ بالعلاج النفسي طويل الأمد، ولا ينتهي عند الدعم القانوني وتوثيق الانتهاكات، بل يشمل أيضًا التمكين الاقتصادي وإعادة الدمج المجتمعي، بما يساعدهن على استعادة الثقة بالنفس والشعور بالكرامة الإنسانية”.
ورغم سقوط النظام ما تزال الناجيات والناجون من الاعتقال يواجهون/ن نقصًا كبيرًا في خدمات الدعم النفسي وإعادة التأهيل، وسط مطالبات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية (أمنستي)، بتطوير برامج حكومية متخصصة للاستجابة لاحتياجاتهن.
في هذا السياق، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود برنامجًا لدعم الناجين والناجيات من الاعتقال في سوريا، يشمل خدمات الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي عبر عيادات متخصصة في مدن إدلب ودمشق وكفربطنا.
وأشارت المنظمة إلى انخفاض عدد النساء اللواتي يطلبن الدعم، إذ لم تتجاوز نسبة الاستشارات المقدمة لهن 15% من إجمالي المراجعات خلال الشهرين الأولين من عمل العيادة في دمشق. وترجح المنظمة أن تكون الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعنف الجنسي الذي تعرضت له بعض المعتقلات السابقات من بين الأسباب التي تمنعهن من طلب المساعدة.
خلف جدران المعتقلات السورية، تركت سنوات الاعتقال والتعذيب آثارًا عميقة في حياة آلاف النساء.
وإلى أن تتحقق المساءلة ويُعترف بمعاناتهن، ستبقى شهادات الناجيات شاهدة على واحدة من أشد الانتهاكات قسوة في التاريخ السوري الحديث.







