كيف وُلدت فكرة تأسيس "مسرح الشمس"، وماذا يعني قرار تخصيص شباك تذاكر مستقل لعروض الأطفال/ات من ذوي/ات الاحتياجات الخاصة؟
أسستُ “مسرح الشمس” لذوي/ات الاحتياجات الخاصة، كأول مسرح احترافي من نوعه في الشرق الأوسط، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية. لم يكن المشروع مجرد تجربة فنية، بل تحوّل إلى منصة حقيقية لتمكين الأطفال والطفلات، حيث قدّموا/ن نحو 1190 ليلة عرض مسرحي، خُصص لها شباك تذاكر مستقل، بما يعكس حضورهم/ن وقدرتهم/ن على المنافسة في المجال الفني.
كما أعمل على تدريس العلاج بالفن للأطفال/ات من ذوي/ات الاحتياجات الخاصة في عدد من الدول، من بينها ألمانيا وكندا والإمارات والمغرب، إلى جانب مصر. وأسستُ أيضًا فرقة مستقلة في القطاع الخاص تحمل اسم “طاقة حب”.
عندما تدرك الفتاة ذاتها وحدودها، تصبح أكثر قدرة على استشعار الآخر والتمييز بين القبول والخطر
كيف قدّمتِ موضوع التوعية بالصحة الجنسية على خشبة المسرح، خصوصًا في سياقات قد تتعامل معه بحساسية؟
نفّذتُ عددًا من الورش الفنية المعنية بالتوعية بالصحة الجنسية في كلّ من مصر والإمارات، مع الحرص على مراعاة الفروق الفردية بين المشاركين والمشاركات في كل مجموعة. فلكل فئة احتياجاتها الخاصة التي تختلف باختلاف طبيعة الإعاقة، إذ تتباين احتياجات ذوي/ات الإعاقات الحركية عن احتياجات الأطفال/ات من ذوي/ات متلازمة داون، ما يفرض أساليب تدريب وتواصل مختلفة.
وتزداد حساسية هذا النوع من التوعية بسبب التفاوت بين العمر الزمني والعمر العقلي لدى بعض الأطفال، فقد تعيش الطفلة جزءًا من يومها وفق عمرها الزمني، ثم تعود في أوقات أخرى إلى مراحل عمرية أصغر، ما يجعل استيعاب المعلومات عملية معقّدة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر والمرونة.
كيف تقيّمين فعالية أساليب التوعية التقليدية في مواجهة الاعتداءات الجنسية ضد الفتيات، وأين ترين نقاط ضعفها؟
أتحفّظ على أساليب التوعية التقليدية التي تعتمد على التحذير المباشر، مثل استخدام عبارات من قبيل: “لا تسمحي لأحد بلمس هذه المنطقة” أو “احذري من اقتراب الآخرين”. فمثل هذه الرسائل، رغم نيتها الوقائية، قد تثير لدى الفتيات حالة من الخوف المفرط وتدفعهن إلى النفور من المحيطين بهن، بل قد تُسهم في تكوين ما يشبه “فوبيا من الآخرين”.
لذلك أتبنّى مقاربة أكثر توازنًا، تتجنّب بثّ الخوف المستمر، لا سيما أن هؤلاء الفتيات يتمتعن بحساسية عالية تجاه العالم من حولهن. فالإفراط في التحذير قد يدفع بعضهن إلى تفسير أي تلامس على أنه اعتداء، أو إلى ردود فعل دفاعية مبالغ فيها تجاه الآخرين، بما ينعكس سلبًا على علاقاتهن الاجتماعية وسلوكهن اليومي.
كيف ربطتِ بين تنمية الإحساس بالذات لدى الفتيات وتعزيز قدرتهن على اكتشاف الخطر، وما الأدوات أو التمارين التي اعتمدتِها لتحقيق ذلك؟
لقد طوّرتُ مقاربة تقوم على تمكين الفتيات نفسيًا قبل تحذيرهن سلوكيًا، وعملتُ على تعزيز الإحساس بالذات والثقة بالنفس، إيمانًا مني بأن ذلك يشكّل خط الدفاع الأول. فعندما تدرك الفتاة ذاتها وحدودها، تصبح أكثر قدرة على استشعار الآخر والتمييز بين القبول والخطر.
من هذا المنطلق، لا أتعامل مع التوعية بوصفها مجموعة من المحظورات، بل كعملية بناء تدريجية للوعي، تساعد الفتاة على التمييز بين مشاعر الحب الطبيعية وأي سلوك يحمل طابع الاعتداء. وداخل الورش التدريبية، أعتمد على أدوات فنية تفاعلية مثل الغناء والرقص، إلى جانب اختبارات مستمرة، تتيح للفتيات التعبير عن أنفسهن واكتشاف مشاعرهن.
كما أشجّع التفاعل بينهن، لما يوفّره من شعور بالأمان ويعزّز قدرتهن على التعلّم من بعضهن البعض. وأحرص أيضًا على ترك مساحة لطرح الأسئلة بحرية، وتشجيعهن على بناء فهمهن الخاص للعالم من حولهن، بدلًا من الاكتفاء بالتلقين أو الخوف. وبهذا، تتحوّل مشاعر الخوف إلى وعي، وتصبح الفتاة أكثر قدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والوهمي، ومواجهته دون أن تفقد ثقتها بالمجتمع أو بمن حولها.
الجسد ليس مصدر خوف أو عبء، بل مساحة تستحق التقدير والحماية
كيف ربطتِ بين تنمية الإحساس بالذات لدى الفتيات وتعزيز قدرتهن على اكتشاف الخطر، وما الأدوات أو التمارين التي اعتمدتِها لتحقيق ذلك؟
دائمًا ما أخاطب الفتاة بوصفها شابة مقبلة على الحياة، بما يعزّز شعورها بالقيمة والثقة. ومن هذا المدخل، أؤكد أن الجسد ليس مصدر خوف أو عبء، بل مساحة تستحق التقدير والحماية.
بعد ذلك، ننتقل تدريجيًا إلى توضيح مفهوم الخصوصية الجسدية، والتعريف بالمناطق الحساسة التي ينبغي الحفاظ عليها، مع شرح الفارق بين اللمس الطبيعي المقبول واللمس الذي يُعد اعتداءً. وبهذه الطريقة، لا تنشأ لدى الفتاة علاقة قائمة على الخوف من جسدها، بل على الوعي به واحترامه.
حدثينا عن أحد الأعمال المسرحية التي قدّمتِها وساهمت في تفكيك مفاهيم تربوية خاطئة، وكيف نجح الطرح المسرحي في تجاوز محدودية الخطاب المباشر؟
طرحنا عملًا دراميًا مسرحيًا للمؤلف محمد عبد الحافظ ناصر، وإخراج يوسف أبو زيد، يتناول قصة أب يمارس سلطة أبوية صارمة على ابنه البالغ من العمر 11 عامًا، من خلال فرض قيود على سلوكه حتى في تفاصيله اليومية البسيطة، مثل إجباره على ارتداء ملابس منزلية أثناء اللعب مع أقرانه في الشارع. وينعكس هذا النمط من التحكم المفرط على الطفل في شكل عزلة اجتماعية، ويجعله أكثر عرضة للتنمر من محيطه.
ومع تصاعد الأحداث، ينتهي الأمر بالطفل إلى الانسحاب من المجتمع ورفض الخروج من غرفته، في صورة تعكس الأثر النفسي العميق للسلطة الأبوية غير المتوازنة. وقد سعى العرض المسرحي إلى تسليط الضوء على خطورة وضع الأبناء داخل قوالب جاهزة لا تراعي طبيعتهم واحتياجاتهم النفسية، واختُتم برسالة رمزية مفادها أن الطفل يشبه شمعة مضيئة ينبغي حمايتها لا إطفاؤها.

أرى أنه من الضروري أن يمنح أولياء الأمور أبناءهم وبناتهم مساحة من الحرية في الاختيار والتعبير عن أنفسهم/ن، بما يتناسب مع احتياجاتهم/ن النفسية والعمرية، بعيدًا عن فرض أنماط لا تعكس واقعهم/ن.
ومن الأمثلة على ذلك حالات لفتيات يعانين من توقف في النمو، فيظهرن بجسد طفلة وعمر شابة، ثم يُستغل هذا الوضع الصحي أو الشكل الخارجي في إنتاج محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض الربح، ما يعرّضهن للتشويه، نتيجة تقديمهن بصورة لا تعكس هويتهن الحقيقية ولا مرحلتهن العمرية.








