هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية) VO
في المجتمعات الحديثة، غالبًا ما يُفرض على النساء مفهوم للجمال تشكّل في إطار هيمنة ذكورية. لكن ما هو الجمال المثالي؟
"الجمال المثالي" في الحقيقة وهم تاريخي. فعندما ننظر إلى التاريخ نرى أن هذا المثال تغيّر باستمرار. ففي مرحلة ما كانت الأجساد الممتلئة، التي ترمز إلى الخصوبة، تُعدّ مرغوبة ثم برزت لاحقًا قيمة الهشاشة، أما اليوم فنعيش مرة أخرى في زمن تُمجد فيه النحافة والرقّة بوصفهما معيارين جماليّين.
إن المخيال الجمعي الذي يعرّف الجمال المثالي يتشكّل بعمق وفق رموز ذكورية، إذ يضع الجسد الأنثوي في موقع الشيء الذي يُنظر إليه ومصدرًا للمتعة. وقد حوّلت الرأسمالية الحديثة هذه النظرة الذكورية إلى مصدر كبير للربح. فاليوم أصبح كل ما يتعلّق بالحفاظ على الجسد شابًا، رشيقًا وجميلًا — أو بالأحرى مطابقًا للمعايير الجمالية السائدة — جزءًا من عملية التراكم الرأسمالي. نحن نتحدث هنا عن صناعة ضخمة.
يتوقف الجسد عن كونه مجرد حيّز شخصي للوجود، ليغدو شكلًا من أشكال رأس المال الاجتماعي والاقتصادي.
في مواجهة كلّ هذه الضغوط الاجتماعية، هناك أيضًا واقع التقدّم في العمر. وإذا فكّرنا في الشيخوخة بوصفها تجربة تعيشها المرأة في تركيا، لماذا يضاعف التقدّم في السن هشاشة النساء ويُبرز عدم المساواة الجندرية في ما يتعلق بمعايير الجمال؟
إنها في الواقع مسألة عميقة للغاية. أولًا علينا أن نفهم الشيخوخة نفسها، ثم ما يُسمّى "تأنيث الشيخوخة".
الشيخوخة حقيقة بيولوجية، لكن ما نسمّيه "الكِبر" ليس مجرد عملية طبيعية، إنه أيضًا بناء اجتماعي قوي. وبالنسبة إلى النساء على وجه الخصوص، يكشف التقدّم في العمر عن أقسى نتائج منظومة قيم تتمحور حول الجسد. ففي المجتمع الحديث، جرى تعريف الجسد الأنثوي طويلًا من خلال الشباب والجاذبية والإنتاجية. وعندما تتلاشى هذه الصفات، كثيرًا ما تُدفَع النساء إلى الهامش أو يُصبحن غير مرئيات. ولهذا السبب تحديدًا، لا تمثّل الشيخوخة لدى النساء مجرد تغيّر جسدي، بل تنطوي أيضًا على تحوّل في المكانة الاجتماعية وفي القيمة التي تُنسب إليهن. ففي حين يُوصف الرجال مع التقدّم في العمر بأنهم "كاريزميون" أو "ذوو خبرة" أو "ناضجون"، غالبًا ما يُقدَّم تقدّم النساء في السن بوصفه "خسارة".
وهنا يظهر ما يُعرف بظاهرة "تأنيث الشيخوخة". فالنساء يعشن عمرًا أطول، لكنهنّ غالبًا ما يتقدّمن في السن وهنّ أفقر، وأكثر هشاشة، وأكثر عرضة للوحدة. كما أن عدم المساواة في سوق العمل، والعبء غير المتكافئ لأعمال الرعاية، والاعتماد الاقتصادي، كلها عوامل تعمّق هشاشة النساء في الشيخوخة.
وتجعل معايير الجمال هذه الهشاشة أكثر وضوحًا. فالمجتمع كثيرًا ما ينظر إلى جسد المرأة المتقدّمة في العمر لا بالصبر والتقبّل، بل بتوقعات "التصحيح" والإخفاء. صبغ الشعر، البوتوكس، الفيلر، شدّ الوجه، علاجات إطالة العمر… ليُقدَّم محو آثار التقدّم في السن تقريبًا بوصفه ضرورة. كأن الشيخوخة ليست مرحلة من مراحل الحياة، بل خطأ ينبغي إصلاحه. وهكذا تُوجَّه النساء نحو منتجات "مكافحة الشيخوخة" أو الإجراءات التجميلية للحفاظ على موقعهن في المجتمع. وتشير الأبحاث إلى أنه رغم ارتفاع دافع "الحفاظ على الصحة" لدى النساء بين سن الأربعين والرابعة والأربعين، فإن ما يقارب نصفهن (48%) ما زلن يؤكدن رغبتهن في "الشعور بسعادة أكبر وبمزيد من العناية عبر جسد نحيل". لأن البقاء في اللعبة يتطلّب ذلك. فالنظام غير المتكافئ أساسًا يتحوّل، مع دخول عامل العمر، إلى مساحة متعددة الطبقات من التمييز. فالأمر لا يتعلق بكونك امرأة فقط، بل بكونك أيضًا امرأة متقدّمة في العمر.
كما تعزّز الشخصيات العامة والصور الرائجة هذه الضغوط المرتبطة بالشباب الدائم، وتدفع الأخريات إلى قياس أنفسهن بمعايير مستحيلة.
ما الصور النمطية التي يكرّسها المجتمع عن النساء المتقدّمات في العمر؟ وكيف يمكن تقييم هذه التصوّرات؟
إن نظرة المجتمع إلى النساء المتقدّمات في السن هي في الواقع امتداد لمحاولاته المستمرة لوضع النساء في قوالب محددة والتحكّم بهن في كل مراحل حياتهن. فعندما تخرج النساء عن الأدوار الإنجابية التي يحدّدها لهن النظام، يسارع المجتمع إلى حصرهن داخل قالب آخر مختلف.
تنتشر في المجتمع صور نمطية عديدة عن النساء المتقدّمات في العمر. فهناك صورة "الجدة التي أدّت واجبها، وعلّقت مريلتها، ولم يعد دورها سوى تقديم الرعاية"، وصورة أخرى تصوّرهن على أنهن "في سنّ انقطاع الطمث، متذمّرات ومتراجعات". هذه الصور النمطية تنتزع من النساء حضورهن في الفضاء العام وتهمّش رغباتهن الشخصية، لتختزلهن في شخصيات منزلية يقتصر دورها على الرعاية: الاعتناء بالأحفاد/ات والحفاظ على شؤون البيت.
لكن في الواقع، قد يكون التقدّم في العمر مرحلة تبلغ فيها النساء ذروة قوتهن، مستندات إلى خبراتهن الحياتية ومواردهن الاقتصادية. غير أن هذه المرحلة المُمكِّنة -حيث تتخذ النساء قراراتهن بأنفسهن ويصبحن أقل اعتمادًا على قبول الآخرين- قد يُنظر إليها أحيانًا بوصفها تهديدًا.
هذه المرحلة المُمكِّنة -حيث تتخذ النساء قراراتهن بأنفسهن ويصبحن أقل اعتمادًا على قبول الآخرين- قد تُنظر إليها أحيانًا بوصفها تهديدًا
في أحد مقالاتكِ كتبتِ: "لم تكن الحياة عادلة مع النساء يومًا. ومع ذلك، ربما يشكّل انقطاع الطمث أحد أكثر العتبات وحدةً وأقلّها حديثًا في تجربة المرأة". لا تزال آثار انقطاع الطمث على صحة النساء تُهمَل إلى حدّ كبير، فيما تواصل الصور النمطية نفسها تشكيل التصوّرات عن النساء اللواتي مررن بهذه المرحلة. ماذا تودّين قوله عن الأحكام المسبقة المحيطة بحياتهن الاجتماعية والجنسية؟
لم تكن الحياة عادلة تمامًا مع النساء. وانقطاع الطمث أحد أكثر عتبات هذا اللاعدل صمتًا. فهو ليس مجرد عملية بيولوجية، بل مرحلة يُعاد فيها أيضًا تأكيد المعاني الاجتماعية التي أُلصقت بالجسد الأنثوي. والمفارقة اللافتة أن أجساد النساء في مرحلة الشباب تخضع لرقابة مكثفة، يُفحَص كل تفصيل فيها تقريبًا. لكن مع التقدّم في العمر، تواجه النساء شكلًا من أشكال الاختفاء الاجتماعي. والأحكام المسبقة التي تحيط بالحياة الاجتماعية والجنسية للنساء بعد انقطاع الطمث هي جزء من آلية المحو هذه.
ولا أتحدث هنا تحديدًا عن جنسية النساء فقط. فحتى رغبات النساء الشابات ومتَعهن كثيرًا ما يُنظر إليها بوصفها مجالات ينبغي ضبطها وتقييدها. ذلك أن النظام يمنح الجسد الأنثوي قيمته أساسًا من خلال قدرته الإنجابية. وكما لاحظ ميشيل فوكو، فإن الجسد هو ساحة تُمارَس عليها السلطة. وعندما تتقدّم المرأة في العمر، تصبح خارج هذه التوقعات الاجتماعية.
كثيرًا ما يفترض المجتمع أن الأنوثة والرغبة والقيمة الاجتماعية للجسد الأنثوي تنتهي مع انقطاع الطمث، وكأن الأنوثة تُختزل في الخصوبة وحدها. لكن الواقع بعيد تمامًا عن ذلك. فالحياة الاجتماعية للنساء، وإنتاجيتهن، وعوالمهن الفكرية والعاطفية لا تختفي مع انقطاع الطمث. بل إن هذه المرحلة تمثّل بالنسبة لكثير من النساء انتقالًا إلى طور جديد ذي معنى في الحياة.
اليوم يمكن للعلاجات الهرمونية التعويضية أن تخفّف من أعراض انقطاع الطمث مثل الهبّات الساخنة، والأرق، والتعب، والقلق، وضبابية التفكير، وتراجع الرغبة الجنسية. وقد أظهرت الدراسات أن جرعات صغيرة من مكملات التستوستيرون يمكن أن تحسّن الرغبة الجنسية والاستثارة والنشوة والمتعة، وأن تقلّل القلق والضيق المرتبطين بالنوع الاجتماعي لدى النساء بعد انقطاع الطمث اللواتي يعانين من اضطراب انخفاض الرغبة الجنسية (HSDD). ويُعدّ العلاج الهرموني التعويضي (HRT) مقاربة طبية شاملة تُزوَّد فيها أجسام النساء بأشكال صناعية أو مطابقة بيولوجيًا من الهرمونات الأساسية التي لم يعد الجسم قادرًا على إنتاجها طبيعيًا أو التي انخفض إنتاجها بشكل ملحوظ. لكن السؤال المهم هنا هو: من تملك فعلًا إمكانية الوصول إلى هذه العلاجات؟ ففي سياق تكون فيه المعلومات حول انقطاع الطمث محدودة أو قديمة، لا تتمكّن سوى نسبة صغيرة من النساء من دعم أجسادهن بشكل كافٍ خلال هذه المرحلة من الحياة.
لذلك فالمشكلة ليست في انقطاع الطمث ذاته، بل في الصمت والصور النمطية التي تحيط به. ولهذا نحتاج إلى الحديث عنه أكثر: بصراحة أكبر، وبصوت أعلى.




























